قدّمت قراءتنا الأولى للسوق السعودية، ٢٩٥ مليار دولار تختبئ على مرأى الجميع، ادعاءً ضيّقًا وموثّقًا: تقلّ البنوك السعودية في دخل الرسوم بنحو عشرين نقطة عن الأفضل في فئتها. وفي قطاع بهذا الحجم، تساوي كل نقطة نحو 1.5 مليار ريال من الإيراد المتكرّر المنخفض استهلاك رأس المال سنويًا، وإغلاق الفجوة يعني إطلاق قيمة سوقية تصل إلى 295 مليار دولار. كانت الحجة حسابًا، لا رأيًا.
وهذه هي التتمة. فهذا المنطق لا يتوقف عند شبكة الفروع، بل يتعمّم. إنّ القصور البنيوي في توليد الدخل من المشورة والتوزيع والبيانات الذي يظهر في المصرفية الأفراد يظهر مجددًا في التأمين والتكافل، ومرة أخرى عبر أسواق المال التي تدور حول السوق المالية السعودية. المجالات مختلفة، لكن الآلية متطابقة.
ما وراء المصرفية الأفراد
لم تكن فجوة المصارف في حقيقتها متعلقة بالمصرفية. بل كانت متعلقة بنمط إخفاق بعينه: مؤسسات تملك علاقة العميل، وتدفق المعاملات، والبيانات الأساسية، ومع ذلك تجني من نشاط الميزانية العمومية لا من الخدمات المنخفضة استهلاك رأس المال التي تتيحها البيانات. دخل الهامش تثقله متطلبات رأس المال، أما دخل الرسوم فلا. والمؤسسات التي تفوز في العقد القادم هي التي تحوّل بياناتها الخاصة وثقة عملائها إلى رسوم متكرّرة واستشارية ومعاملاتية.
وحين ترى الفجوة على هذا النحو، تكفّ عن كونها قصة مصرفية. فأي مؤسسة مالية تجلس على بيانات غنية ومهيكلة وخاصة وتولّد منها دخلًا ضئيلًا تحمل القيمة الكامنة نفسها. وينطبق ذلك على شركات التأمين السعودية، ومشغّلي التكافل، والوسطاء، ومديري الأصول، ومزوّدي بنية السوق التحتية. فكلٌّ منهم يملك بيانات سيدفع بقية السوق ثمنها، وكلٌّ منهم يترك معظم تلك القيمة على الطاولة.
لم تكن فجوة المصارف متعلقة بالمصرفية، بل بمؤسسات تملك البيانات وتجني من الميزانية العمومية بدلًا منها.
فرصة التكافل والتأمين
قضى التأمين والتكافل في السعودية عقدًا في الاندماج، وإعادة الرسملة، واستيفاء سقف رقابي متشدّد. وقد بنى ذلك حجمًا، لكنه لم يبنِ وحده اقتصاديات قائمة على الرسوم. فالقطاع لا يزال يجني غالب دخله من الاكتتاب وهامش الاستثمار، ويقلّ في توليد الدخل من ثلاثة أمور بخاصة.
الأول هو المشورة. فمشغّل التكافل يعرف عن مخاطر حامل الوثيقة، ومرحلته العمرية، وفجوة حمايته أكثر من أي طرف آخر تقريبًا، ومع ذلك نادرًا ما تتحوّل هذه المعرفة إلى علاقات استشارية محوكمة ومدفوعة ومتكرّرة. والثاني هو التوزيع. فالشركات تملك العميل في لحظة أعلى نيّة، عند التجديد أو المطالبة أو حدث حياتي، وتوجّه معظم تلك اللحظة عبر قنوات منخفضة الهامش وغير متمايزة. والثالث هو البيانات. فسجلات المطالبات، وإشارات الوفيات والاعتلال، وبيانات تتبّع المركبات، وتعرّض الممتلكات، هي من أثمن مجموعات البيانات المهيكلة في المملكة، وتُستهلك في معظمها داخليًا بدلًا من تحويلها إلى خدمات تسعير، أو تحليلات مخاطر، أو منصات شراكة.
ولا يتطلب أيٌّ من هذا قفزة تنظيمية ولا تقنية غريبة. بل يتطلب الخطوة نفسها التي وصفها مقال المصارف: معاملة البيانات الخاصة بوصفها الأصل، وبناء تسليم ذكاء اصطناعي محوكم فوقها، بحيث تحمل المشورة والتوزيع والبيانات كلٌّ منها ثمنًا. القيد هو بنية المنتج وانضباط البيانات، لا القدرة.
تداول وحصن البيانات
تروي أسواق المال المحيطة بالسوق المالية السعودية القصة نفسها بنبرة مختلفة. فمع تعمّق تداول، عبر الإدراجات والمشتقات والمؤشرات وبنية ما بعد التداول، نمت الجهات المحيطة بها لتصبح من أغنى مصادر بيانات السوق المهيكلة في المنطقة. إنّ تدفق الأوامر، وسجلات التسوية، ومكوّنات المؤشرات، وتواريخ إجراءات الشركات، وتحليلات المستثمرين، هي بالضبط المدخلات التي تعلّم مشغّلو الأسواق العالميون توليد الدخل منها بوصفها خط أعمالهم الأعلى هامشًا.
وفي الأسواق الناضجة، تجني السوق ومنظومتها حصة متنامية من الإيراد من البيانات والتحليلات وخدمات ما بعد التداول، لا من رسوم المعاملات وحدها. والمجالات نفسها قائمة حول السوق المالية السعودية. وهي اليوم منخفضة التوليد لا لأن البيانات شحيحة، بل لأن تحويلها إلى تحليلات محوكمة ومُنتَجة وقابلة للبيع انضباطٌ يختلف عن تشغيل محرّك مطابقة. فالوسطاء يقلّون في توليد الدخل من تحليلات العملاء، ومديرو الأصول من أبحاثهم وبيانات مخاطرهم، وبنية السوق التحتية من البيانات المرجعية وبيانات ما بعد التداول.
والحصن في كل حالة من هذه الحالات واحد، ويستحق التسمية بدقة: بيانات نظيفة ومهيكلة ومحوكمة، مقرونة بتسليم ذكاء اصطناعي يستطيع الجهة الرقابية والمجلس والمدقّق الوقوف خلفه جميعًا. ومن يجمع ذلك أولًا لا يلتقط مجرد مجال رسوم، بل يضع السعر المرجعي ومعيار البيانات الذي يضطر بقية السوق إلى ترخيصه. وذلك حصن دائم لا مكسب لمرة واحدة.
الحصن هو بيانات نظيفة مهيكلة مع تسليم ذكاء اصطناعي محوكم. ومن يجمعه أولًا يضع السعر المرجعي الذي يضطر بقية السوق إلى ترخيصه.
تقدير الجائزة بأمانة
وهنا على التتمة أن تكون أكثر انضباطًا من سابقتها، ونقولها صراحة. ففي مقال المصارف كان الرقم قابلًا للدفاع لأن الحساب كان موثّقًا: فجوة دخل رسوم معروفة، وقيمة معروفة لكل نقطة، ومضاعف قطاع معروف. كان بوسعنا أن نكتب 295 مليار دولار ونُظهر خطوات عملنا.
أما التأمين والتكافل وأسواق المال فلا تسند بعد رقمًا رئيسيًا واحدًا نظيفًا من هذا النوع، ولن نصطنع رقمًا. المجالات حقيقية، وفي تقديرنا كبيرة. لكن تقديرها بمصداقية يتوقف على مدخلات خاصة بكل مؤسسة: تركيبة محفظتها، وجودة بياناتها وهيكلها، وبصمتها التوزيعية، وموقفها التنظيمي، والسرعة التي تستطيع بها إقامة تسليم ذكاء اصطناعي محوكم. والرقم الذي يتجاهل هذه المدخلات زينة لا تحليل.
فالجواب الأمين منهجٌ لا عنوان. منطق دخل الرسوم يتعمّم بثقة عالية. أما الجائزة الدقيقة لأي شركة أو مشغّل أو وسيط أو مشارك في السوق فتأتي من نموذج خاص بالمؤسسة، من النوع نفسه الذي بنيناه لحالة المصارف، يُشغَّل على بيانات تلك المؤسسة ذاتها. وذلك النموذج متاح عند الطلب، ونحن نؤثر أن نبنيه معكم على أن نخمّنه علنًا.
أخبرت لوحة نتائج المصارف القطاع بما يتركه على الطاولة وأثبتته بالحساب. وتطرح التتمة نقطة أضيق وأدوم: الفجوة ليست شذوذًا مصرفيًا، بل نمط على مستوى السوق، والحصن هو البيانات مع التسليم المحوكم، والمؤسسة التي تبنيه أولًا في التأمين، أو في التكافل، أو على السوق المالية، هي التي ستعرّف الفئة التي يقضي الآخرون العقد في اللحاق بها.